محمد أبو زهرة

1131

زهرة التفاسير

في الآيات السابقة بيّن سبحانه اغترار المشركين بأموالهم وأولادهم وكثرتهم ، وكثرة النفر الذين يعاضدونهم ، وأشار إلى اغترار آل فرعون بسلطانهم ، وعاقبة أمرهم ؛ وفي هذه الآية يبين سبحانه مصدر الغرور وأسباب الاغترار في هذه الدنيا ، وما ركز في قلوب الناس من حب الشهوات التي يؤدى الاشتداد في طلبها إلى الانحراف في التفكير وإلى أن يطمس على البصيرة فلا تدرك الأمور على وجهها ؛ ثم يبين سبحانه منزلة ما في هذه الدنيا من متع فانية بجوار ما في الآخرة من نعيم دائم . وإذا كان قد بيّن سبحانه وتعالى أولا مآل المغترين المعتزين بأعراض الدنيا ، فقد بين في هذه الآيات مآل المتقين وأوصافهم ، ومقدار فهمهم لزخارف هذه الحياة وما فيها من شهوات مردية عند الانحراف في طلبها . ولقد ابتدأ سبحانه بما ركز في فطرة كل إنسان من حب وطلب لهذه الشهوات في مواضعها ، فقال سبحانه : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ هذه زينة الحياة الدنيا ، وهذه متعها ، وهي مصدر الخير ، ومصدر الشر فيها ، وبها تكون الرفعة ، وبها يكون السقوط ، وبها تكون العزة ، وبها تكون الذلة ؛ والإرادة الإنسانية هي التي تجعلها في أحد الطريقين ، فإن كانت الإرادة قوية حازمة جعلت من هذه الأمور مصدر خير وطريقا إلى الجنة ، وإن تحكم الهوى وغلب الشيطان ، وضعف الوجدان الديني ، كانت هذه الأمور مصدر شر وطريقا إلى النار ؛ فهي طريق الجنة عند الأبرار ، وطريق النار عند الأشرار ، وكل امرئ وما تهوى نفسه .